recent
أخبار ساخنة

قراءة نقدية للناقد والشاعر العراقي عماد الدعمي في ديوان آخر الحصاد أول البذر للشاعر الفلسطيني محمود مفلح


 قراءة نقدية للناقد والشاعر العراقي عماد الدعمي  في ديوان آخر الحصاد أول البذر للشاعر الفلسطيني محمود مفلح 

قراءة في ديوان(( آخر الحصاد أول البذر)) للشاعر الفلسطيني ((محمود مفلح ))
عماد الدعمي / العراق
المعيار الأول لنجاح أي قصيدة هو صدق الإحساس والشعور ثم تأتي بقية المعايير الأخرى كالصورة الشعرية والوحدة الموضوعية والأسلوب والالفاظ والمعاني وما يكمل القصيدة وبهذا نستطيع أن نضع نظرية لنجاح أي قصيدة ركائزها صدق الإحساس وعملية التوظيف وهنا يجب أن لا يُستغنى عن أحد الطرفين فصدق الإحساس وحده لا يكفي والمرتكزات الأخرى أيضا لا تكفي لوحدها وهنا تظهر براعة الشاعر ويظهر التفاوت بين الشعراء ..
إن توظيف القصيدة منذ ولادتها وفكرتها تحتاج المزيد من الخطوات المهمة في عملية البناء فالشاعر كالمنهدس المعماري الفنان فهو المفكر والمخطط والمنفذ وبهذا توجب عليه أن يكون محترفا في أداوته وموظفا إياها بالطريقة السليمة حتى ينتج عن ذلك قصيدة مركزة مؤثرة على متلقيها
وقد أكد الشاعر على ذلك وهذه محمدة تحسب له لأنه اعتبر صدق الاحساس المعيار الاساسي للقصيد فقد قال :
قال في قصيدة شاعر
كل حرف بلا فضاء جديد
هو طير جناحه مكسور
وإذا حج شاعر للمعالي
وتسامى فحجه مبرور
غيرُ مجدٍ شعرٌ بغير شعور
هل ستغني عن اللباب قشور
لقد أكد الشاعر على أن لا تموت القريحة ومعها يموت الجمال فتلبد المشاعر يعني نهاية الإنسان فما بالك وهو شاعر فهو يؤكد على الحياة والجمال ويؤكد على الإبتعاد عن كل ما يعكر صفو الحياة مجسدا ذلك من خلال صور شعرية مستلة من مفردات سلسة ومن دون تعقيد .
إن ولادة القصيدة لا تعرف زمنا محددا ومعينا لكنها تخضع لمؤثر كبير تنتج عنه أما عملية بناء قصيدة مركزة مكثفة تخضع لأسس وقواعد تختص بعلم الشعر وتنعكس ايجابا من خلال تسلح الشاعر بأدواته الكافية وقد تعود سلبا اذا لم يكن متسلحا بعلوم الشعر فصدق الشعور وحده لا يكفي لإنتاج قصيدة مؤثرة .. كما أن محاور النص تحتاج إلى حركة داخلية ذات حساسية شعرية عالية وبلا شك فأن الدوائر التي تدور حول الشاعر لها تأثير كبير على عملية الإنتاج .
قال في قصيدة وجهة نظر
كم ذا أخاف من اليراع اذا كبا
ومن القريحة حين لا تتجدد
ومن الشوارع حينما تقتادني
ومن اللقاءات التي تتأكسد
ومن القتامة في وجوه أحبتي
ومن المشاعر حينما تتلبد
لقد لاحظنا التجسيد المائل للدراما المعزز بحسن الإستقبال من المتلقي لأن السردية العالية تعبر عن جوهر الشكل وتصور الذات الشعرية الساردة المشحونة بالقوة والفعل الشعري المؤثر وهذه السردية عبارة عن صور شعرية حية تميل إلى الواقع وتؤدي إلى كثافة وحركة وتدفق القصيدة وبذلك تلقي الضوء أمام متلقيها ببساطة وسهولة .
ابتعد الشاعر عن الانزياحية من خلال سلاسة المفردة حيث عمل على تشكيلات واضحة الزمان والمكان منطلقا من مبدأ إخراج قصيدة شاملة أكثر دقة وتعبيرية مبتعدا عن القصيدة الطويلة وبهذا تمتع بنفس شعري مركز وخاضع لمنظومة الإبداع لأن النفس الشعري الطويل يحتاج حرفية عالية كما أن النفس الشعري الطويل من مميزات الشاعر القديم متعدد الأغراض ولكنه ملك أذنا موسيقية عالية لانه كتب ببحور شعرية متعددة كالطويل والبسيط والوافر والخفيف والكامل .. وبهذا عرف الشاعر كيف يواكب عصره وما يريد المتلقي في العصر الحديث ..
قال في قصيدة قناعة
سامحوني إذا غمست يراعي
بدم القهر أو برمل المنافي
سامحوني فكل شيء يسير
غير شيئين دمعتي واعترافي
الآن تمعن في مدى التأثير على عملية الإنتاج فهو يغمس يراعه بدم القهر وبرمل المنافي فقد كان للواقع الأثر الكبير بل السلطة القوية على الذات الشاعرة ثم يصور الأشياء وهي تسير وترحل ويستثني دموعه من ذلك وذلك مؤثر عميق جسد فيه معاناته الملازمة له ...
إن عملية الإنتاج كانت مركزة فهو يطلب السماح إذا انغمس يراعه بتجسيد الدماء والقهر والرمل والمنفى وذلك تأثير بيئي صوره بفاعلية عالية ابتداء من منطقة الذهن ثم تجليات الانموذج التصويري وتجسيده شعرا ...
أظهر الشاعر ببراعة وتفوق مدى حسه القومي العربي فهو يتأثر بالذي يجري ببلده فلسطين ثم يذكر مصر والنيل والعراق وبيروت واليمن ويشيد بالتقدم والتطور العمراني لدولة الإمارات وقد جسد هذه القومية شعرا مؤكدا على النهوض بوجه الظلم والاستبداد وعدم الخضوع لأي استعمار يحاول النيل من أمتنا العربية وهذه رسالة تشحذ الهمم وتدعو للتكاتف والعمل من أجل التحرر والتطور..
قال في قصيدة وطن:
هم يسألوني ماذا حلّ في وطني
هذا سؤال لعمر الله يحرجني
قد كان لي وطن تشدو بلابله
والآن أصبح بحرا ماج بالفتن
فلا العراق عراقا حين اذكره
ولا الذي دمرته الحرب في يمني...
وقال في قصيدة رقص مجسدا عاطفته وبقوة ...
سيروا بلا قدم كي تبصروا قدما
وجففوا النيل كيما ترفعوا الهرما
فإن بقيتم على ما أنتم غنما
فلن تروا غير راع يجلد الغنما
امتلك الشاعر الفطنة في إختيار الألفاظ والجمل والصور والايقاعات والتشكيلات وهذه المميزات هي الميثاق بين الشاعر والقارئ .. ونؤكد أن الشاعر كان ذا صورة شعرية حادة وهذه الصورة كانت هي الطاغية وكان رذاذها كثيفا وهذه تحسب له فيما ورد من شعره فقد ركز على الانفتاح الصوري في أغلب قصائده .
ابتعد الشاعر عن الرمزية والضبابية فهو يعمل على اللحظة الخاطفة التي تنجز الشعر من دون رمز وتأويلات..
الاندفاع الشعري كان واضحا في مجموعته الشعرية وللعاطفة السطوة الكبرى على شعره ورهافة الحس هي الطاغية فهو لا يُخضع ما يكتبه إلى المنظومات العقلية لأنه لا يخاف ولا يهاب ولانه مؤمن بأن عملية الشعر عملية وجدانية لا تخضع لمنظومات عقلية حتى لا تصبح القصيدة في معيار النظم وليس الشعر ولذلك نراه معتزا بأناه الشعرية كثيرا وهذا من حقه فلغة الأنا والاعتزار وردت في العديد من قصائده ولا بد من الإشارة إلى أن القصائد الوجدانية كانت لها الزعامة في المجموعة الشعرية .
امتلك الشاعر مزاجا شعريا استطاع من خلاله احتواء النكهة عند المتلقي وذلك أمر عظيم يغنينا عن سؤال ما جدوى الشعر بمزاجنا الحضاري تغييرا وتطويرا وبهذا اثبت بأن الشعر ما زال حيا .
اشتغل الشاعر على تجربة شعرية ثرة بالوعي فالجوانب الفنية للقصيدة الحديثة كانت موجودة وهذا يدل على الكفاءة التي تسلح بها وملك فضاء شعريا عاليا من خلاله وظف الخيال الشعري بطريقة حسنة فهو واعٍ لبناء قصيدة محبكة ابتداء من العتبة وبمضمون القصيدة وبضربات الدهشة التي زج بها عن طريق سؤال أو تعجب أو وجه بلاغي حتى وصل لنهاية قوية وبهذا كان حذقا على السليقة وليس ناظما فهو منتج بارع صور اللقطات المهمة في قصائده وأثبت في تجربته الشعرية أنه شاعر بمعنى الإحساس والطبع وليس بمعنى التكلف والتصنع فهو لا يقبل إلا فضاء الدهشة ويرفض الشعر إذا كان نظما ...
لقد مارس الشاعر شهوته في التمرد بحثا عن حرية التعبير وبحثا عن تجسيد الحقائق لأن اللغة لا تصل إلى هدفها السامي إلا من خلال ضمير حيّ لا يجامل ولا يحسب اي حسابات وبهذا نجح الشاعر فنينا في قصائده وأيضا نجح نجاحا كبيرا لأنه كان لسان حال الآخرين في العديد من قصائده ناهيك عن امتلاكه لغة خصبة ومفردة شعرية حرة نابعة من الجوهر ..
وهناك أمر مهم جدا وللغاية في عالم الشعر العربي منذ ظهوره وللآن وهو بماذا تسلح الشاعر من أفكار ومن مبادئ وقيم ومن حس وطني ومن شعور بالمعاناة ومن كل ما يجري حوله . فإن كان حي الضمير جسدها بجمالية فائقة وأن كان منقادا تراه قد ابتعد عن الصدق وظهر ذلك واضحا على شعره .
وخلاصة ما رأيناه من خلال مجموعته الشعرية /
١/ اعتمد الشاعر على صدق الاحساس والشعور في أغلب قصائده.
٢/ كان سلس اللغة وابتعد عن الانزياح
٣/ وظف الطبيعة كمادة رئيسية في صوره الشعرية
٤/ وظف الأفعال بشكل جعل من القصيدة حية مكثفة لأن دلالات الأفعال تختلف وتوظف حسب السياق
٥/ حافظ على الوحدة الموضوعية بدقة
٦/ زج بالبلاغيات بين طيات شعرية فلم تخلُ قصائده في الضربات الشعرية الحادة
٧/ أظهر شعوره الصادق كمادة رئيسية في جميع أغراضه الشعرية فهو شعلة وهاجة من الوجد .
٨/ لديه القدرة في التأثير على أبسط متلقٍ للشعر وهنا تكمن براعة الشاعر وهي دلالة على ابتعاده عن التصع والتكلف .
٩/ مزج الشاعر بين نظريتي الفن للفن والفن للمجتمع فهو مبدع من خلال الخيال وبذات الوقت هو جزء لا يتجزأ من الواقع .
١٠ / معاناة الذات الشاعرة أثبتت هويتها من خلال التصاعد الإبداعي حتى أنها لم تدع للركاكة مكانا بين القصائد وبهذا تتجلى مدى قدرة الشاعر على الحفاظ على النسق الإبداعي وذلك أمر غاية التعقيد
١١/ اشتغل الشاعر على القصيدة المركزة وعلى تكثيف وتوظيف الآليات الفنية الملائمة.
١٢/ سعى الشاعر جاهدا إلى اخضاع الإمكانات المتاحة له لخدمة النص الشعري وعمل على إيجاد الموازنة منذ العتبة إلى نهاية القصيدة .
١٣/ التوظيف الزماني والمكاني كان مهما في بنية القصيدة وعملية الربط الزماني بين الماضي والحاضر والمستقبل كانت موجودة في قصائده رغم توققعه في أماكن أحاطت به ..
١٤/ قصائده لم تخضع للتأويل والانزياح وهناك من يبحث عن ذلك .
١٥/ الطاقة الشعرية عنده نتاج سيرذاتي استلهمه من الواقع الذي يعيشه لكن وبذات الوقت زج خياله بالواقع في عدة قصائد مما أضاف نكهة للقصيدة .
صدرت مجموعته الشعرية آخر الحصاد في مصر العربية عن التجمع العربي للطباعة والنشر والتسويق ووقعت في ١٢١ صفحة ... أرجو له مزيدا من التألق وآخر دعوانا كثيرا من الحمد لله رب العالمين.
قد تكون صورة ‏نص‏

كل التفاعل
google-playkhamsatmostaqltradent